صفحات القرآن بتفسير السعدي

" فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم "

" فَانْقَلَبُوا " أي: رجعوا " بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ " .
وجاء الخبر المشركين, أن الرسول وأصحابه قد خرجوا إليكم, وندم من تخلف منهم.
فألقى الله الرعب في قلوبهم, واستمروا, راجعين إلى مكة.
ورجع المؤمنون, بنعمة من الله وفضل, حيث من عليهم بالتوفيق للخروج بهذه الحالة والاتكال على ربهم, ثم إنه قد كتب لهم أجر غزاة تامة.

" إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين "

فسبب إحسانهم بطاعة ربهم, وتقواهم عن معصيته, لهم أجر عظيم, ثم قال تعالى: " إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ " أي: إن ترهيب من رهب من المشركين, وقال: إنهم جمعوا لكم, داع من دعاة الشيطان, يخوف أولياءه الذين عدم إيمانهم, أو ضعف.
" فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " أي: فلا تخافوا المشركين, أولياء الشيطان, فإن نواصيهم بيد الله, لا يتصرفون إلا بقدره.
بل خافوا الله, الذي ينصر أولياءه الخائفين إياه المستجيبين لدعوته.
وفي هذه الآية, وجوب الخوف من الله وحده, وأنه من لوازم الإيمان.
فعلى قدر إيمان العبد, يكون خوفه من الله.
والخوف المحمود: ما حجز العبد عن محارم الله.

" ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم "

كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على الخلق, مجتهدا في هدايتهم.
وكان يحزن, إذا لم يهتدوا, قال الله تعالى: " وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ " من شدة رغبتهم فيه وحرصهم عليه " إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا " .
فالله ناصر دينه, ومؤيد رسوله, ومنفذ أمره من دونهم, فلا تبالهم ولا تحفل بهم.
إنما يضرون, ويسعون في ضرر أنفسهم, بفوات الإيمان في الدنيا, وحصول العذاب الأليم في الأخرى, من هوانهم على الله, وسقوطهم من عينه, وإرادته أن لا يجعل لهم نصيبا في الآخرة.
ثوابه, خذلهم فلم يوفقهم, لما وفق إليه أولياءه, من أراد به خيرا, عدلا منه وحكمة, لعلمه بأنهم غير زاكين على الهدى, ولا قابلين للرشاد, لفساد أخلاقهم وسوء قصدهم.

" إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم "

ثم أخبر أن الذين اختاروا الكفر على الإيمان, ورغبوا فيه, رغبة من يذل ما يحب من المال, في شراء ما يحب من السلع " لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا " بل ضرر فعلهم, يعود على أنفسهم, ولهذا قال: " وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ " وكيف يضرون الله شيئا, وهم قد زهدوا أشد الزهد في الإيمان ورغبوا كل الرغبة بالكفر بالرحمن؟! فالله غني عنهم.
وقد قيض لدينه من عباده الأبرار الأزكياء سواهم.
وأعد له - ممن ارتضاه لنصرته - أهل البصائر والعقول, وذوي الألباب من الرجال الفحول.
قال الله تعالى " قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا " الآيات.

" ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين "

أي: ولا يظن الذين كفروا بربهم, ونابذوا دينه, وحاربوا رسوله أن تركنا إياهم في هذه الدنيا, وعدم استئصالنا لهم, وإملائنا لهم - خير لأنفسهم, ومحبة منا لهم.
كلا, ليس الأمر كما زعموا, وإنما ذلك لشر, يريده الله بهم, وزيادة عذاب وعقوبة إلى عذابهم, ولهذا قال: " إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ " فالله تعالى يملي للظالم, حتى يزداد طغيانه, ويترادف كفرانه, ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر.
فليحذر الظالمون من الإمهال, ولا يظنوا, أن يفوتوا الكبير المتعال.

" ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم "

أي: ما كان في حكمة الله أن يترك أن المؤمنين على ما أنتم عليه من الاختلاط, وعدم التمييز, حتى يميز الخبيث من الطيب, والمؤمن من المنافق والصادق من الكاذب.
ولم يكن في حكمته أيضا, أن يطلع عباده على الغيب الذي يعلمه من عباده: فاقتضت حكمته أيضا الباهرة, أن يبتلي عباده, ويفتنهم بما به يتميز الخبيث من الطيب, من أنواع الابتلاء والامتحان.
فأرسل الله رسله, وأمر بطاعتهم, والانقياد لهم, والإيمان بهم, ووعدهم - على الإيمان والتقوى - الأجر العظيم.
فانقسم الناس - بحسب اتباعم للرسل - قسمين: مطيعين وعاصين, ومؤمنين ومنافقين, ومسلمين وكافرين.
ليرتب على ذلك الثواب والعقاب, وليظهر عدله وفضله, وحكمته لخلقه.

" ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير "

أي: ولا يظن الذين يبخلون, أي: يمنعون ما عندهم مما آتاهم الله من فضله, من المال, والجاه, والعلم, وغير ذلك, مما منحهم الله, وأحسن إليهم به, وأمرهم ببذل ما لا يضرهم منه لعباده, فبخلوا بذلك, وأمسكوه, وضنوا به على عباد الله, وظنوا أنه خير لهم, بل هو شر لهم, في دينهم ودنياهم, وعاجلهم وآجلهم, " سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " أي: يجعل ما بخلوا له, طوقا في أعناقهم, يعذبون به كما ورد في الحديث الصحيح.
" إن البخيل يمثل له ماله يوم القيامة, شجاعا أقرع, له زبيبتان يأخذ بلهزميه يقول: أنا مالك, أنا كنزك " .
وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم مصداق ذلك, هذه الآية.
فهؤلاء حسبوا أن بخلهم, نافعهم, ومجد عليهم.
فانقلب عليهم الأمر, وصار من أعظم مضارهم, وسبب عقابهم.
" وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " أي: هو تعالى, مالك الملك, وترد جميع الأملاك إلى مالكها, وينقلب العباد من الدنيا, ما معهم درهم ولا دينار, ولا غير ذلك من المال.
قال تعالى " إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ " .
وتأمل كيف ذكر السبب الابتدائي والسبب الغائي, الموجب كل واحد, منهما أن لا يبخل العبد بما أعطاه الله.
أخبر أولا: أن الذي عنده وفي يده, فضل من الله ونعمة, ليس ملكا للعبد.
بل لولا فضل الله عليه وإحسانه, لم يصل إليه منه شيء.
فمنعه ذلك, منع لفضل الله وإحسانه.
ولأن إحسانه موجب للإحسان إلى عبيده كما قال تعالى " وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ " .
فمن تحقق أن ما بيده, هو فضل من الله, لم يمنع الفضل الذي لا يضره, بل ينفعه في قلبه وماله, وزيادة إيمانه, وحفظه من الآفات.
ثم ذكر ثانيا أن هذا الذي بيد العباد كله, يرجع إلى الله, ويرثه تعالى, وهو خير الوارثين.
نلا معنى للبخل بشيء هو زائل عنك, منتقل إلى غيرك.
ثم ذكر ثالثا, السبب الجزائي فقال " وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ " .
فإذا كان خبيرا بأعمالكم جميعا - ويستلزم ذلك, الجزاء الحسن, على الخيرات, والعقوبات على الشر - لم يتخلف من في قلبه مثقال ذرة من إيمان, عن الإنفاق الذي يجزي به الثواب, ولا يرضى بالإمساك, الذي به العقاب.