صفحات القرآن بتفسير السعدي

" وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين "

ثم أخبر أن ما أصابهم يوم التقى الجمعان, جمع المسلمين, وجمع المشركين في " أحد " من القتل والهزيمة, أنه بإذنه, وقضائه وقدره, لا مرد له, ولا بد من وقوعه.
والأمر القدري - إذا نفذ, لم يبقى إلا التسليم له, وأنه قدره, لحكم عظيمة, وفوائد جسيمة.
وأنه ليتبين بذلك, المؤمن من المنافق, الذين لما أمروا بالقتال.

" وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون "

" وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ " أي: ذبا عن دين الله, وحماية له وطلبا لمرضاة الله " أَوِ ادْفَعُوا " عن محارمكم وبلدكم, إن لم تكن لكم نية صالحة.
فأبوا ذلك واعتذروا بأن " قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ " .
أي: لو نعلم أنكم يصير بينكم وبينهم قتال, لاتبعناكم, وهم كذبة في هذا.
قد علموا وتيقنوا, وعلم كل أحد, أن هؤلاء المشركين, قد ملئوا من الحنق والغيظ على المؤمنين, بما أصابوا منهم, وأنهم قد بذلوا أموالهم, وجمعوا ما يقدرون عليه, من الرجال والعدد, وأقبلوا في جيش عظيم قاصدين المؤمنين في بلدهم, متحرقين على قتالهم.
فمن كانت هذه حالهم, كيف يتصور أنه لا يصير بينهم وبين المؤمنين قتال؟ خصوصا وقد خرج المسلون من المدينة, وبرزوا لهم, هذا من المستحيل.
ولكن المنافقين ظنوا أن هذا العذر, يروج على المؤمنين.
قال تعالى " هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ " أي: في تلك الحال التي تركوا فيها الخروج مع المؤمنين " أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ " .
وهذه خاصة المنافقين, يظهرون بكلامهم وفعالهم, ما يبطنون صده في قلوبهم وسرائرهم.
ومنه قولهم " لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ " فإنهم علموا وقوع القتال.
ويستدل بهذه الآية على قاعدة " ارتكاب " أخف المفسدتين لدفع أعلاهما, وفعل أدنى المصلحتين, للعجز عن أعلاهما, لأن المنافقين أمروا أن يقاتلوا للدين, فإن لم يفعلوا فللمدافعة عن العيال والأوطان.
" وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ " فيبديه لعباده المؤمنين, ويعاقبهم عليه.

" الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين "

ثم قال تعالى " الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا " .
أي: جمعوا بين التخلف عن الجهاد, وبين الاعتراض والتكذيب بقضاء الله وقدره.
قال الله ردا عليهم.
" قُلْ فَادْرَءُوا " أي: ادفعوا " عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " أنهم لو أطاعوكم ما قتلوا, لا تقدرون على ذلك, ولا تستطيعونه.
وفي هذه الآيات, دليل على أن العبد قد يكون فيه خصلة كفر, وخصلة إيمان.
وقد يكون إحداهما, أقرب من الأخرى.

" ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون "

هذه الآيات الكريمات, فيها فضل الشهداء وكرامتهم, وما من الله عليهم به, من فضله وإحسانه.
وفي ضمنها تسلية الأحياء عن قتلاهم, وتعزيتهم, وتنشيطهم للقتال في سبيل الله, والتعرض للشهادة فقال: " وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ " أي: في جهاد أعداء الدين, قاصدين بذلك إعلاء كلمة الله.
" أَمْوَاتًا " أي: لا يخطر ببالك وحسبانك, أنهم ماتوا وفقدوا, وذهبت عنهم لذة الحياة الدنيا, والتمتع بزهرتها, الذي يحذر من فواته, من جبن عن القتال, وزهد في الشهادة.
" بَلْ " قد حصل لهم أعظم مما يتنافس فيه المتنافسون.
فهم " أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ " في دار كرامته.
ولفظ " عند ربهم " يقتضي علو درجتهم, وقربهم من ربهم.
" يُرْزَقُونَ " من أنواع النعيم, الذي لا يعلم وصفه, إلا من أنعم به عليهم.
ومع هذا صاروا " فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ " أي: مغتبطون بذلك.
وقد قرت به عيونهم, وفرحت به نفوسهم, وذلك لحسنه, وكثرته, وعظمته, وكمال اللذة في الوصول إليه, وعدم المنغص.

" فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون "

فجمع الله لهم, بين نعيم البدن بالرزق, ونعيم القلب والروح, بالفرح بما آتاهم من فضله: فتم لهم النعيم والسرور, وجعلوا " وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ " أي: يبشر بعضهم بعضا, بوصول إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم, وأنهم سينالون ما نالوا.
" أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ " أي: يستبشرون بزوال المحذور عنهم, وعن إخوانهم المستلزم كمال السرور.

" يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين "

" يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ " أي: يهنئ بعضهم بعضا, بأعظم مهنأ به, وهو: نعمة ربهم, وفضله, وإحسانه.
" وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ " بل ينميه ويشكره, ويزيده من فضله, ما لا يصل إليه سعيهم.
وفي هذه الآيات, إثبات نعيم البرزخ, وأن الشهداء, في أعلى مكان عند ربهم.
وفيه تلاقى أرواح أهل الخير, وزيارة بعضهم بعضا, وتبشير بعضهم بعضا.

" الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم "

لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من " أحد " إلى المدينة, ندب أصحابه إلى الخروج فخرجوا - على ما بهم من الجراح - استجابة لله ورسوله, فوصلوا إلى " حمراء الأسد " , وجاءهم من جاءهم وقال لهم: " إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ " وهموا باستئصالكم, تخويفا لهم وترهيبا.
فلم يزدهم ذلك, إلا إيمانا بالله, واتكالا عليه.
" وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ " أي: كافينا كل ما أهمنا " وَنِعْمَ الْوَكِيلُ " المفوض إليه تدبير عباده, والقائم بمصالحهم.