صفحات القرآن بتفسير السعدي

" وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون "

أي: وإن من أهل الكتاب فريقا, هم محرفون لكتاب الله.
" يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ " وهذا يشمل التحريف اللفظي, والتحريف المعنوي,.
ثم هم - مع هذا التحريف الشنيع - يوهمون أنه من الكتاب, وهم كذبة في ذلك, ويصرحون بالكذب على الله, وهم يعلمون حالهم, وسوء مغبتهم.

" ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون "

أي: يمتنع ويستحيل كل الاستحالة, لبشر من الله عليه بالوحي والكتاب, والنبوة, وأعطاه الحكم الشرعي - أن يأمر الناس بعبادته, وبعبادة النبيين والملائكة واتخاذهم أربابا, لأن هذا هو الكفر, فكيف, وقد بعث بالإسلام المنافي للكفر من كل وجه, فكيف يأمر بضده؟!! هذا من الممتنع, لأن حاله وما هو عليه, وما من الله به عليه من الفضائل والخصائص - تقتضي العبودية الكاملة, والخضوع التام لله الواحد القهار.
وهذا جواب لوفد نجران, حين تمادى بهم الغرور, ووصلت بهم الحال والكبر, أن قالوا: أتأمرنا - يا محمد - أن نعبدك؟ حين أمرهم بعبادة الله وطاعته.
فبين الباري, انتفاء ما قالوا, وأن كلامهم وكلام أمثالهم, في هذا, ظاهر البطلان.

" وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين "

هذا إخبار منه تعالى, أنه أخذ عهد النبيين وميثاقهم كلهم, بسبب ما أعطاهم ومن به عليهم, من الكتاب والحكمة, المقتضي للقيام التام, بحق الله وتوفيقه.
أنه إن جاءهم رسول مصدق لما معهم, بما بعثوا به من التوحيد والحق والقسط, والأصول التي اتفقت عليها الشرائع, أنهم يؤمنون به وينصرونه.
فأقروا على ذلك, واعترفوا, والتزموا, وأشهدهم, وشهد عليهم, وتوعد من خالف هذا الميثاق.
وهذا أمر عام بين الأنبياء, أن جميعهم طريقهم واحد, وأن دعوة كل واحد منهم, قد اتفقوا وتعاقدوا عليها.
وعموم ذلك, أنه أخذ على جميعهم الميثاق, بالإيمان, والنصرة لمحمد صلى الله عليه وسلم.
فمن ادعى أنه من أتباعهم, فهذا دينهم الذي أخذه الله عليهم, وأقروا به واعترفوا.

" فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون "

فمن تولى عن اتباع محمد, ممن يزعم أنه من أتباعهم, فإنه فاسق خارج عن طاعة الله, مكذب للرسول الذي يزعم أنه من أتباعه, مخالف لطريقه.
وفي هذا إقامة الحجة والبرهان, على كل من لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتب والأديان.
وأنه لا يمكنهم الإيمان برسلهم, الذين يزعمون أنهم أتباعهم, حتى يؤمنوا بإمامهم وخاتمهم, صلى الله عليه وسلم.

" أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون "

قد تقدم في سورة البقرة أن هذه الأصول التي هي أصول الإيمان التي أمر الله بها هذه الأمة, قد اتفقت عليها الكتب والرسل.
وأنها هي الغرض الموجه لكل أحد, وأنها هي الدين والإسلام الحقيقي.
وأن من ابتغى غيرها, فعمله مردود, وليس له دين يعول عليه.
فمن زهد عنه, ورغب عنه, فأين يذهب؟.
إلى عبادة الأشجار والأحجار والنيران؟.
أو إلى اتخاذ الأحبار والرهبان والصلبان؟.
أو إلى التعطيل لرب العالمين؟.
أو إلى الأديان الباطلة, التي هي من وحي الشياطين؟ وهولاء كلهم - في الآخرة - من الخاسرين.