صفحات القرآن بتفسير السعدي

" ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون "

" مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ " من اللذات, والشهوات.
أي: أي شيء يغني عنهم, ويفيدهم, وقد مضت اللذات وبطلت, واضمحلت, وأعقبت تبعا لها, وضوعف لهم العذاب عند طول المدة.
القصد أن الحذر, من وقوع العذاب, واستحقاقهم له.
وأما تعجيله وتأخيره, فلا أهمية تحته, ولا جدوى عنده.

" وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون "

يخبر تعالى عن كمال عدله, في إهلاك المكذبين, وأنه ما أوقع بقرية, هلاكا وعذابا, إلا بعد أن يعذر بهم, ويبعث فيهم النذر بالآيات البينات, فيدعونهم إلى الهدى, وينهونهم عن الردى, ويذكرونهم بآيات الله, وينهونهم على أيامه في نعمه ونقمه.

" ذكرى وما كنا ظالمين "

" ذِكْرَى " لهم وإقامة حجة عليهم.
" وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ " فنهلك القرى, قبل أن ننذرهم, ونأخذهم, وهم غافلون عن النذر, كما قال تعالى " وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا " " رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ " .

" وما تنزلت به الشياطين "

ولما بين تعالى, كمال القرآن وجلالته, نزهه عن كل صفة نقص, وحماه - وقت نزوله, وبعد نزوله - من شياطين الجن والإنس فقال: " وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ " أي: لا يليق بحالهم ولا يناسبهم " وَمَا يَسْتَطِيعُونَ " ذلك.

" إنهم عن السمع لمعزولون "

" إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ " قد: أبعدوا عنه, وأعدت لهم الرجوم لحفظه, ونزل به جبريل, أي الملائكة, الذي لا يقدر شيطان أن يقربه, أو يحوم حول ساحته.
وهذا كقوله " إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ "

" فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين "

ينهى تعالى رسوله أصلا, وأمته أسوة له في ذلك, عن دعاء غير الله, من جميع المخلوقين, وأن ذلك موجب للعذاب الدائم, والعقاب السرمدي, لكونه شركا.
" مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ " .
والنهي عن الشيء, أمر بضده.
فالنهي عن الشرك, أمر بإخلاص العبادة وحده لا شريك له, محبة, وخوفا, ورجاء, وذلا, وإنابة إليه في جميع الأوقات.
ولما أمره بما فيه كمال نفسه, أمره بتكميل غيره فقال:

" وأنذر عشيرتك الأقربين "

" وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ " الذين هم أقرب الناس إليك, وأحقهم بإحسانك الديني والدنيوي, وهذا لا ينافي أمره بإنذار جميع الناس.
كما إذا أمر الإنسان بعموم الإحسان, ثم قيل له " أحسن إلى قرابتك " .
فيكون هذا الخصوص, دالا على التأكيد, وزيادة الحث.
فامتثل صلى الله عليه وسلم, هذا الأمر الإلهي, فدعا سائر بطون قريش, فعمم وخصص, وذكرهم ووعظهم, ولم يبق صلى الله عليه وسلم, من مقدوره شيئا, من نصحهم, وهدايتهم, إلا فعله, فاهتدى من اهتدى, وأعرض من أعرض.

" واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين "

" وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ " بلين جانبك, ولطف خطابك لهم, وتوددك, وتحببك إليهم, وحسن خلقك والإحسان التام بهم.
وقد فعل صلى الله عليه وسلم, ذلك كما قال تعالى: " فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ " .
فهذه أخلاقه صلى الله عليه وسلم, أكمل الأخلاق, التي يحصل بها من المصالح العظيمة, ودفع المضار, ما هو مشاهد.
فهل يليق بمؤمن بالله ورسوله, ويدعي اتباعه والاقتداء به, أن يكون كلا على المسلمين, شرس الأخلاق, شديد الشكيمة, غليظ القلب, فظ القول, فظيعه؟.
وإن رأى منهم معصية, أو سوء أدب, هجرهم, ومقتهم, وأبغضهم.
لا لين عنده, ولا أدب لديه, ولا توفيق.
قد حصل من هذه المعاملة, من المفاسد, وتعطيل, المصالح, ما حصل, ومع ذلك تجده محتقرا, لمن اتصف بصفات الرسول الكريم, وقد رماه بالنفاق والمداهنة, وذكر نفسه ورفعها, وأعجب بعمله.
فهل يعد هذا, إلا من جهله, وتزيين الشيطان, وخدعه له.
ولهذا قال الله لرسوله: " فَإِنْ عَصَوْكَ " في أمر من الأمور, فلا تتبرأ منهم, ولا تترك معاملتهم, بخفض الجناح, ولين الجانب.
بل تبرأ من عملهم, فعظهم عليه, وانصحهم, وابذل قدرتك في ردهم عنه, وتوبتهم منه.
وهذا الدفع, احتراز وهم من يتوهم, أن قوله " وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ " للمؤمنين, يقتضي الرضاء بجميع ما يصدر منهم, ما داموا مؤمنين, فدفع هذا, والله أعلم.

" وتوكل على العزيز الرحيم "

أعظم مساعد للعبد على القيام بما أمر به, الاعتماد على ربه, والاستعانة بمولاه, على توفيقه للقيام بالمأمور, فلذلك أمر الله تعالى بالتوكل عليه فقال: " وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ " والتوكل هو: اعتماد القلب على الله تعالى, في جلب المنافع, ودفع المضار, مع ثقته به, وحسن ظنه بحصول مطلوبه, فإنه عزيز رحيم, بعزته يقدر على إيصال الخير, ودفع الشر عن عبده, وبرحمته به, يفعل ذلك.
ثم نبهه على الاستعانة, باستحضار قرب الله, والنزول في منزل الإحسان فقال:

" الذي يراك حين تقوم "

" الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ " أي: يراك في هذه العبادة العظيمة, التي هي الصلاة, وقت قيامك, وتقلبك راكعا وساجدا.
خصها بالذكر, لفضلها وشرفها, ولأن من استحضر فيها قرب ربه, خشع وذل, وأكملها, وبتكميلها, يكمل سائر عمله, ويستعين بها على جميع أموره.

" إنه هو السميع العليم "

" إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ " لسائر الأصوات, على اختلافها, وتشتتها, وتنوعها.
" الْعَلِيمُ " الذي أحاط بالظواهر والبواطن, والغيب والشهادة.
فاستحضار العبد رؤية الله له في جميع أحواله, وسمعه لكل ما ينطق به, وعلمه بما ينطوي عليه قلبه, من الهم, والعزم, والنيات, يعينه على منزلة الإحسان.

" هل أنبئكم على من تنزل الشياطين "

هذا جواب لمن قال من مكذبي الرسول: إن محمدا ينزل عليه شيطان.
وقول من قال: إنه شاعر فقال: " هَلْ أُنَبِّئُكُمْ " أي: أخبركم الخبر الحقيقي, الذي لا شك فيه, ولا شبهة, عن من تنزل الشياطين عليه, أي: بصفة الأشخاص, الذين تنزل عليهم الشياطين

" تنزل على كل أفاك أثيم "

" تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ " أي: كذاب, كثير القول للزور, والإفك بالباطل.
" أَثِيمٍ " في فعله, كثير المعاصي.
هذا الذي تنزل عليه الشياطين, وتناسب حاله حالهم.

" يلقون السمع وأكثرهم كاذبون "

" يُلْقُونَ " عليه " السَّمْعَ " الذي يسترقونه من السماء.
" وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ " أي: أكثر ما يلقون اليه, كذب, فيصدق واحدة, ويكذب معها مائة, فيختلط الحق بالباطل, ويضمحل الحق بسبب قلته, وعدم علمه.
فهذه صفة الأشخاص.
الذين تنزل عليهم الشياطين, وهذه صفة وحيهم له.
وأما محمد صلى الله عليه وسلم, فحاله مباينة لهذه الأحوال, أعظم مباينة, لأنه الصادق الأمين, البار, الراشد, الذي جمع بين بر القلب, وصدق اللهجة, ونزاهة الأفعال, من المحرم.
والوحي الذي ينزل عليه من عند الله, ينزل محروسا محفوظا, مشتملا, على الصدق العظيم, الذي لا شك فيه ولا ريب.
فهل يستوي - يا أهل العقول - هديه وإفكهم؟.
وهل يشتبهان, إلا على مجنون, لا يميز, ولا يفرق بين الأشياء؟.

" والشعراء يتبعهم الغاوون "

فلما نزهه عن نزول الشياطين عليه, برأه أيضا من الشعر فقال: " وَالشُّعَرَاءُ " أي: هل أنبئكم أيضا عن حالة الشعراء, ووصفهم الثابت.
فإنهم " يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ " عن طريق الهدى, المقبلون على طريق الغي والردى.
فهم في أنفسهم غاوون, وتجد أتباعهم كل غاو, ضال فاسد.

" ألم تر أنهم في كل واد يهيمون "

" أَلَمْ تَرَ " غوايتهم وشدة ضلالهم " أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ " من أودية الشعر.
" يَهِيمُونَ " فتارة, في مدح, وتارة, في قدح, وتارة, يتغزلون, وأخرى يسخرون, ومرة يمرحون, وآونة يحزنون, فلا يستقر لهم قرار, ولا يثبتون على حال من الأحوال.

" وأنهم يقولون ما لا يفعلون "

" وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ " أي: هذا وصف الشعراء, أنهم تخالف أقوالهم أفعالهم.
فإذا سمعت الشاعر يتغزل بالغزل الرقيق, قلت هذا أشد الناس غراما, وقلبه فارغ من ذاك,.
وإذا سمعته يمدح أو يذم, قلت: هذا صدق, وهو كذب.
وتارة يتمدح بأفعال لم يفعلها, وتروك لم يتركها, وكرم لم يحم حول ساحته, وشجاعة يعلو بها على الفرسان, وتراه أجبن من كل جبان.
هذا وصفهم.
فانظر, هل يطابق حالة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم, الراشد البار, الذي يتبعه كل راشد ومهتد, الذي قد استقام على الهدى, وجانب الردى, ولم تتناقض أفعاله؟.
فهو لا يأمر إلا بالخير, ولا ينهى إلا عن الشر.
ولا أخبر بشيء إلا صدق, ولا أمر بشيء إلا كان أول الفاعلين له, ولا نهى عن شيء إلا كان أول التاركين له.
فهل تناسب حاله, حالة الشعراء, ويقاربهم؟.
أم هو مخالف لهم من جميع الوجوه؟ فصلوات الله وسلامه, على هذا الرسول الأكمل, والهمام الأفضل, أبد الأبدين, ودهر الداهرين, الذي ليس بشاعر, ولا ساحر, ولا مجنون, لا يليق به إلا كمال.

" إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون "

ولما وصف الشعراء بما وصفهم به, استثنى منهم من آمن بالله ورسوله, وعمل صالحا, وأكثر من ذكر الله, وانتصر من أعدائه المشركين, من بعد ما ظلموهم.
فصار شعرهم, من أعمالهم الصالحة, وآثار إيمانهم, لاشتماله على مدح أهل الإيمان, والانتصار من أهل الشرك والكفر, والذب عن دين الله, وتبيين العلوم النافعة, والحث على الأخلاق الفاضلة فقال.
" إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ " إلى موقف وحساب, لا يغادر صغيرة ولا كبيرة, إلا أحصاها, ولا حقا إلا استوفاه.