صفحات القرآن بتفسير السعدي

" رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا "

ثم علل إحاطة علمه, وعدم نسيانه, بأنه " رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " فربوبيته للسموات والأرض, وكونهما على أحسن نظام وأكمله, ليس فيه غفلة ولا إهمال, ولا سدى, ولا باطل, برهان قاطع على علمه الشامل.
فلا تشغل نفسك بذلك, بل اشغلها بما ينفعك, ويعود عليك طائله وهو: عبادته وحده, لا شريك له.
" وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ " أي: اصبر نفسك عليها, وجاهدها, وقم عليها أتم القيام وأكمله بحسب قدرتك.
وفي الاشتغال بعبادة الله تسلية للعابد عن جميع التعلقات والمشتهيات, كما قال تعالى: " وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ " إلى أن قال " وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا " الآية.
" هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا " أي: هل تعلم لله مساميا, ومشابها, ومماثلا من المخلوقين.
وهذا استفهام يعني النفي, المعلوم بالعقل.
أي: لا تعلم له مساميا ولا مشابها, لأنه الرب, وغيره مربوب, الخالق, وغيره مخلوق, الغني من جميع الوجوه, وغيره فقير بالذات من كل وجه.
الكامل, الذي له الكمال المطلق من جميع الوجوه, وغيره ناقص ليس فيه من الكمال, إلا ما أعطاه الله تعالى.
فهذا برهان قاطع على أن الله هو المستحق لإفراده بالعبودية وأن عبادته حق, وعبادة ما سواه باطل, فلهذا أمر بعبادته وحده, والاصطبار عليها, وعلل بكماله وانفراده, بالعظمة, والأسماء الحسنى.

" ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا "

المراد بالإنسان ههنا, كل منكر للبعث, مستبعد لوقوعه.
فيقول - مستفهما على وجه النفي والعناد والكفر - " أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا " .
أي: كيف يعيدني الله حيا بعد الموت, وبعد ما كنت رميما؟!! هذا لا يكون ولا يتصور.
وهذا بحسب عقله الفاسد, ومقصده السيئ, وعناده لرسل الله وكتبه.
فلو نظر أدنى نظر, وتأمل أدنى تأمل, لرأى استبعاده للبعث, في غاية السخافة.
ولهذا ذكر تعالى برهانا قاطعا, ودليلا واضحا, يعرفه كل أحدا على إمكان البعث فقال:

" أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا "

" أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا " أي: أو لا يلفت نظره, ويستذكر حالته الأولى, وأن الله خلقه أول مرة, ولم يك شيئا.
فمن قدر على خلقه من العدم, ولم يك شيئا مذكورا, أليس بقادر على إنشائه بعد ما تمزق, وجمعه بعد ما تفرق؟ وهذا كقوله " وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ " .
وفي قوله " أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ " دعوة للنظر, بالدليل العقلي, بألطف خطاب, وأن إنكار من أنكر ذلك, مبني على غفلة منه عن حاله الأولى.
وإلا فلو تذكرها وأحضرها في ذهنه, لم ينكر ذلك.

" فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا "

أقسم الله تعالى وهو أصدق القائلين - بربوبيته, ليحشرن هؤلاء المنكرين للبعث, هم وشياطينهم وليجمعنهم لميقات يوم معلوم.
" ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا " أي: جاثين على ركبهم من شدة الأهوال, وكثرة الزلزال, وفظاعة الأحوال, منتظرين لحكم الكبير المتعال, ولهذا ذكر حكمه فيهم فقال:

" ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا "

" ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا " أي: ثم لننزعن من كل طائفة وفرقة من الظالمين المشتركين في الظلم والكفر, والعتو أشدهم عتوا, وأعظمهم ظلما, وأكبرهم كفرا فيقدمهم إلى العذاب, ثم هكذا يقدم إلى العذاب, الأغلظ إثما, فالأغلظ, وهم في تلك الحال متلاعنون, يلعن بعضهم بعضا.
ويقول أخراهم لأولاهم: " رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ " " وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ " .
وكل هذا, تابع لعدله.
وحكمته وعلمه الواسع ولهذا قال:

" ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا "

" ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا " أي: علمنا محيط بمن هو أولى صليا بالنار, وقد علمناهم, وعلمنا أعمالهم واستحقاقها, وقسطها من العذاب.

" وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا "

وهذا خطاب لسائر الخلائق, برهم وفاجرهم, مؤمنهم وكافرهم, أنه ما منهم من أحد, إلا سيرد النار, حكما حتمه الله على نفسه, وأوعد به عباده, فلا بد من نفوذه, ولا محيد عن وقوعه.
واختلف في معنى الورود فقيل: ورودها, حضورها للخلائق كلهم, حتى يحصل الانزعاج من كل أحد, ثم بعد, ينجي الله المتقين.
وقيل: الورود, دخولها وحضورها, فتكون على المؤمنين بردا وسلاما.
وقيل: الورود, هو المرور على الصراط, الذي على متن جهنم.
فيمر الناس على قدر أعمالهم, فمنهم من يمر كلمح البصر, وكالريح, وكأجاويد الخيل, وكأجاويد الركاب.
ومنهم من يسعى, ومنهم من يمشي مشيا, ومنهم من يزحف زحفا, ومنهم من يخطف فيلقى في النار, كل بحسب تقواه, ولهذا قال:

" ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا "

" ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا " الله تعالى بفعل المأمور, واجتناب المحظور.
" وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ " أنفسهم بالكفر والمعاصي " فِيهَا جِثِيًّا " وهذا بسبب ظلمهم وكفرهم, وجب لهم الخلود, وحق عليهم العذاب, وتقطعت بهم الأسباب.

" وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا "

أي: وإذا تتلى على هؤلاء الكفار آياتنا بينات, أي: واضحات الدلالة على وحدانية الله, وصدق رسله, توجب لمن سمعها, صدق الإيمان, وشدة الإيقان - قابلوها بضد ما يجب لها, واستهزءوا بها, وبمن آمن بها واستدلوا بحسن حالهم في الدنيا, على أنهم خير من المؤمنين فقالوا معارضين للحق: " أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ " أي: نحن والمؤمنين " خَيْرٌ مَقَامًا " أي: في الدنيا, من كثرة الأموال والأولاد, وتفوق الشهوات " وَأَحْسَنُ نَدِيًّا " أي مجلسا.
أي: فاستنتجوا من هذه المقدمة الفاسدة, بسبب أنهم أكثر مالا وأولادا وقد حصلت أكثر مطالبهم من الدنيا, ومجالسهم وأنديتهم مزخرفة مزوقة.
والمؤمنون بخلاف هذه الحال, فهم خير من المؤمنين, وهذا دليل في غاية الفساد.
وهو من باب قلب الحقائق, وإلا فكثرة الأموال والأولاد, وحسن المنظر, كثيرا ما يكون سببا لهلاك صاحبه, وشقائه, وشره, ولهذا قال تعالى:

" وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا "

" وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا " أي: متاعا, من أوان وفرش, وبيوت, وزخارف " وَرِئْيًا " أي: أحسن مرأى ومنظرا, من غضارة العيش, وسرور اللذات, وحسن الصور.
فإذا كان هؤلاء المهلكون أحسن منهم أثاثا ورئيا, ولم يمنعهم ذلك من حلول العقاب بهم, فكيف يكون هؤلاء, وهم أقل منهم وأذل, معتصمين من العذاب " أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ " ؟ وعلم من هذا, أن الاستدلال على خير الآخرة بخير الدنيا, من أفسد الأدلة, وأنه من طرق الكفار.

" قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا "

لما ذكر دليلهم الباطل, الدال على شدة عنادهم, وقوة ضلالهم, أخبر هنا, أن من كان في الضلالة, بأن رضيها لنفسه, وسعى فيها, فإن الله يمده منها, ويزيده فيها حبا, عقوبة له على اختيارها على الهدى قال تعالى " فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ " " وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ " .
" حَتَّى إِذَا رَأَوْا " أي: القائلون " أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا " , " مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ " بقتل أو غيره " وَإِمَّا السَّاعَةَ " التي هي باب الجزاء على الأعمال " فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا " أي: فحينئذ يتبين لهم بطلان دعواهم, وأنها دعوى مضمحلة, ويتيقنون أنهم أهل الشر.
" وَأَضْعَفُ جُنْدًا " ولكن لا يفيدهم هذا العلم شيئا, لأنه لا يمكنهم الرجوع إلى الدنيا, فيعملان غير عملهم الأول.

" ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا "

لما ذكر أنه يمد للظالمين في ضلالهم, ذكر أنه يزيد المهتدين هداية من فضله عليهم ورحمته.
والهدى يشمل العلم النافع, والعمل الصالح.
فكل من سلك طريقا في العلم والإيمان, والعمل الصالح, زاده الله منه وسهله عليه, ويسره له, ووهب له أمورا أخر, لا تدخل تحت كسبه.
وفي هذا دليل على زيادة الإيمان ونقصه, كما قاله السلف الصالح.
ويدل عليه قوله تعالى " وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا " " وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا " .
ويدل عليه أيضا, الواقع, فإن الإيمان قول القلب واللسان, وعمل القلب واللسان والجوارح, والمؤمنون متفاوتون في هذه الأمور, أعظم تفاوت.
ثم قال: " وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ " أي الأعمال الباقية, التي لا تنقطع إذا انقطع غيرها, ولا تضمحل, هي الصالحات منها, من صلاة, وزكاة, وصوم, وحج, وعمرة, وقراءة, وتسبيح, وتكبير, وتحميد, وتهليل, وإحسان إلى المخلوقين, وأعمال قلبية وبدنية.
فهذه الأعمال " خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا " أي: خير عند الله, ثوابها وأجرها, وكثير للعاملين نفعها وردها, وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل في غير بابه, فإنه ما ثم غير الباقيات الصالحات, عمل ينفع ولا يبقى لصاحبه ثوابه, ولا ينجع.
ومناسبة, ذكر الباقيات الصالحات, والله أعلم - أنه لما ذكر أن الظالمين جعلوا أحوال الدنيا من المال والولد, وحسن المقام ونحو ذلك, علامة لحسن حال صاحبها, أخبر هنا أن الأمر, ليس كما زعموا.
بل العمل الذي هو عنوان السعادة, ومنشور الفلاح, بما يحبه الله ويرضاه.