صفحات القرآن بتفسير السعدي

" قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ "

قال الله: " قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ " .
فاستكبر على أمر الله, وأبدى العداوة لآدم وذريته, وأعجب بعنصره وقال: أنا خير من آدم.

قال فاخرج منها فإنك رجيم "

" قَالَ " الله - معاقبا له على كفره واستكباره - " فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ " .
أي: مطرود ومبعد من كل خير.
" وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ " أي: الذم, والعيب, والبعد عن رحمة الله " إِلَى يَوْمِ الدِّينِ " .
ففيها, وما أشبهها, دليل على أنه سيستمر على كفره, وبعده من الخير.

" قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون "

" قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي " أي: أمهلني " إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ " .
وليس إجابة الله لدعائه, كرامة في حقه, وإنما ذلك, امتحان وابتلاء من الله له وللعباد, ليتبين الصادق الذي يطيع مولاه دون عدوه, ممن ليس كذلك.
ولذلك حذرنا منه, غاية التحذير, وشرح لنا, ما يريده منا.

" قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين "

" قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ " أي: أزين لهم الدنيا, وأدعوهم إلى إيثارها على الأخرى, حتى يكونوا منقادين لكل معصية.

" إلا عبادك منهم المخلصين "

" وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ " أي: أصدهم كلهم عن الصراط المستقيم.
" إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ " أي: الذين أخلصتهم واجتبيتهم, لإخلاصهم, وإيمانهم, وتوكلهم.

" قال هذا صراط علي مستقيم "

قال الله تعالى: " هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ " أي: معتدل موصل إلي, وإلى دار كرامتي.

" إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين "

" إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ " تميلهم به إلى ما تشاء من أنواع الضلالات, بسبب عبوديتهم لربهم, وانقيادهم لأوامره, أعانهم الله وعصمهم من الشيطان.
" إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ " فرضي بولايتك وطاعتك, بدلا من طاعة الرحمن.
" مِنَ الْغَاوِينَ " والغاوي: ضد الراشد, فهو: الذي عرف الحق وتركه.
والضال: الذي تركه من غير علم منه به.

" وإن جهنم لموعدهم أجمعين "

" وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ " أي: إبليس وجنوده.
" لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ " كل باب أسفل من الآخر.
" لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ " أي: من أتباع إبليس " جُزْءٌ مَقْسُومٌ " بحسب أعمالهم.
قال تعالى: " فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ " .
ولما ذكر تعالى ما أعد لأعدائه, أتباع إبليس, من النكال والعذاب الشديد, ذكر ما أعد لأوليائه من الفضل العظيم, والنعيم المقيم فقال: " إِنَّ الْمُتَّقِينَ " إلى " هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ " .

" إن المتقين في جنات وعيون "

يقول تعالى: " إِنَّ الْمُتَّقِينَ " الذين اتقوا طاعة الشيطان, وما يدعوهم إليه, من جميع الذنوب والعصيان " فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ " قد احتوت على جميع الأشجار, وأينعت فيها جميع الثمار اللذيذة, في جميع الأوقات.

" ادخلوها بسلام آمنين "

ويقال لهم حال دخولها: " ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ " من الموت, والنوم والنصب, واللغوب, وانقطاع شيء من النعيم, الذي هم فيه أو نقصانه, ومن المرض, والحزن, والهم, وسائر المكدرات.
" وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ " فتبقى قلوبهم سالمة, من كل غل, وحسد, متصافية متحابة " إخوانا على سرر متقابلين " .
دل ذلك على تزاورهم, واجتماعهم, وحسن أدبهم فيما بينهم, في كون كل منهم مقابلا للآخر, لا مستديرا له, متكئين على تلك السرر المزينة, بالفرش واللؤلؤ, وأنواع الجواهر.

" لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين "

" لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ " لا ظاهر ولا باطن.
وذلك, لأن الله ينشئهم نشأة وحياة كاملة, لا تقبل شيئا من الآفات.
" وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ " على سائر الأوقات.
ولما ذكر ما يوجب الرغبة والرهبة, من مفعولات الله, من الجنة, والنار, ذكر ما يوجب ذلك من أوصافه تعالى فقال:

" نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم "

" نَبِّئْ عِبَادِي " أي: أخبرهم خبرا جازما, مؤيدا بالأدلة.
" أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ " فإنهم إذا عرفوا كمال رحمته ومغفرته, سعوا بالأسباب الموصلة لهم إلى رحمته, وأقلعوا عن الذنوب, وتابوا منها, لينالوا مغفرته.

" وأن عذابي هو العذاب الأليم "

ومع هذا, فلا ينبغي أن يتمادى بهم الرجاء إلى حال الأمن والإدلال.
فنبئهم " وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ " أي: لا عذاب في الحقيقة, إلا عذاب الله, الذي لا يقادر قدره, ولا يبلغ كنهه, نعوذ به من عذابه.
فإنهم إذا عرفوا أنه " لا يعذب عذابه أحد * ولا يوثق وثاقه أحد " حذروا, وبعدوا عن كل سبب يوجب لهم العقاب.
فالعبد, ينبغي أن يكون قلبه دائما, بين الخوف والرجاء, والرغبة والرهبة.
فإذا نظر إلى رحمة ربه ومغفرته, وجوده وإحسانه, أحدث له ذلك الرجاء والرغبة.
وإذا نظر إلى ذنوبه وتقصيره في حقوق ربه, أحدث له الخوف والرهبة والإقلاع عنها.

" ونبئهم عن ضيف إبراهيم "

يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: " وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ " .
أي: عن تلك القصة العجيبة, فإن في قصك عليهم أنباء الرسل, وما جرى لهم, ما يوجب لهم العبرة, والاقتداء بهم.
خصوصا, إبراهيم الخليل, الذي أمرنا الله أن نتبع ملته.
وضيفه هم: الملائكة الكرام, أكرمه الله بأن جعلهم أضيافه.