صفحات القرآن بتفسير السعدي

" وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون "

هذه المحنة العظيمة, أعظم على يوسف, من محنة إخوته, وصبره عليها, أعظم أجرا, لأنه صبر اختيار, مع وجود الدواعي الكثيرة, لوقوع الفعل, فقدم محبة الله عليها.
وأما محنته بإخوته, فصبره صبر اضطرار, بمنزلة الأمراض والمكاره التي تصيب العبد بغير اختياره وليس له ملجأ إلا الصبر عليها, طائعا أو كارها.
وذلك أن يوسف عليه الصلاة والسلام, بقي مكرما في بيت العزيز.
وكان له من الجمال, والكمال, والبهاء, ما أوجب ذلك, أن " وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ " أي: هو غلامها, وتدبيرها, والمسكن واحد, يتيسر فيه إيقاع الأمر المكروه, من غير شعور أحد, ولا إحساس بشر.
وزادت المصيبة, بأن " وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ " وصار المحل خاليا, وهما آمنان من دخول أحد عليهما, بسبب تغليق الأبواب.
وقد دعته إلى نفسها " وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ " أي: افعل الأمر المكروه وأقبل إلي.
ومع هذا, فهو غريب, لا يحتشم مثله, ما يحتشمه إذا كان في وطنه, وبين معارفه.
وهو أسير تحت يدها, وهي سيدته, وفيها من الجمال, ما يدعو إلى ما هنالك.
وهو شاب عزب, وقد توعدته, إن لم يفعل ما تأمرة به, بالسجن, أو العذاب الأليم.
فصبر عن معصية الله, مع وجود الداعي القوي فيه, لأنه قد هم فيها, هما, تركه لله, وقدم مراد الله على مراد النفس الأمارة بالسوء.
ورأى من برهان ربه - وهو ما معه من العلم والإيمان, الموجب, لترك كل ما حرم الله - ما أوجب له البعد والانكفاف, عن هذه المعصية الكبيرة.
" قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ " أي.
أعوذ بالله, أن أفعل هذا الفعل القبيح, لأنه مما يسخط الله, ويبعد عنه, ولأنه خيانة في حق سيدي, الذي أكرم مثواي.
فلا يليق بي, أن أقابله في أهله, بأقبح مقابلة, وهذا من أعظم الظلم والظالم لا يفلح.
والحاصل أنه جعل الموانع له من هذا الفعل, تقوى الله, ومراعاة حق سيده, الذي أكرمه, وصيانة نفسه عن الظلم, الذي لا يفلح من تعاطاه.
وكذلك ما من الله عليه, من برهان الإيمان, الذي في قلبه, يقتضي منه, امتثال الأوامر, واجتناب الزواجر.
والجامع لذلك كله.
أن الله صرف عنه السوء والفحشاء, لأنه من عباده المخلصين له, في عباداتهم, الذين أخلصهم الله, واختارهم, واختصهم لنفسه, وأسدى عليهم من النعم, وصرف عنهم المكاره, ما كانوا به من خيار خلقه.

" واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم "

ولما امتنع من إجابة طلبها, بعد المراودة الشديدة, وذهب ليهرب عنها, ويبادر إلى الخروج من الباب, ليتخلص, ويهرب من الفتنة.
فبادرت إليه, وتعلقت بثوبه, فشقت قميصه.
فلما وصلا إلى الباب, في تلك الحال, ألفيا سيدها, أي.
زوجها لدى الباب, فرأي أمرا شق عليه.
فبادرت إلى الكذب, وادعت أن المراودة, قد كانت من يوسف, وقالت: " مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا " ولم تقل " من فعل بأهلك سوءا " تبرئة لها, وتبرئة له أيضا, من الفعل.
وإنما النزاع عن الإرادة, والمراوده.
" إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ " أي: أو يعذب عذابا أليما.

" قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين "

فبرأ نفسه, مما رمته به, وقال: " هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي " فحينئذ احتملت الحال, صدق كل واحد منهما, ولك يعلم أيهما.
ولكن الله تعالى, جعل للحق والصدق, علامات, وأمارات تدل عليه, قد يعلمها العباد, وقد لا يعلمونها.
فمن الله في هذه القضية, بمعرفة الصادق منهما, تبرئة لنبيه وصفيه, يوسف عليه السلام.
فبعث شاهدا من أهل بيتها, يشهد بقرينة من وجدت معه, فهو الصادق, فقال: " إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ " لأن ذلك يدل على أنه هو المقبل عليها, المراود لها, المعالج, وأنها أرادت أن تدفعه عنها, فشقت قميصه من هذا الجانب.

" وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين "

" وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ " .
لأن ذلك, يدل على هروبه منها, وأنها هي التي طلبته, فشقت قميصه من هذا الجانب.

" فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم "

" فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ " عرف بذلك صدق يوسف وبراءته, وأنها هي الكاذبة.
فقال لها سيدها: " إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ " وهل أعظم من هذا الكيد, الذي برأت به نفسها, لما أرادت وفعلت, ورمت به نبي الله, يوسف عليه السلام.

" يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين "

ثم إن سيدها لما تحقق الأمر, قال ليوسف: " يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا " .
أي: اترك الكلام فيه, وتناسه, ولا تذكره لأحد, طلبا للستر على أهله.
" وَاسْتَغْفِرِي " أيتها المرأة " لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ " فأمر يوسف بالإعراض, وأمرها بالاستغفار والتوبة.

" وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين "

يعني: أن الخبر اشتهر وشاع في البلد, وتحدث به النسوة, فجعلن يلمنها, ويقلن: " امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا " أي: هذا أمر مستقبح, هي امرأة كبيرة القدر, وزوجها كبير القدر, ومع هذا, لم تزل تراود فتاها, الذي تحت يدها, وفي خدمتها - عن نفسه.
ومع هذا فإن حبه, قد بلغ من قلبها, مبلغا عظيما.
" قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا " , أي: وصل حبه إلى شغاف قلبها, وهو: باطنه وسويداؤه.
وهذا أعظم ما يكون من الحب.
" إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ " حيث وجدت منها هذه الحالة, التي لا ينبغي منها, وهي حالة تحط قدرها, وتضعه عند الناس.
وكان هذا القول منهن مكرا, ليس المقصود به, مجرد اللوم لها, والقدح فيها.
وإنما أردن أن يتوصلن بهذا الكلام, إلى رؤية يوسف, الذي فتنت به امرأة العزيز, لتحنق امرأة العزيز, وتريهن إياه, ليعذرنها ولهذا سماه: مكرا, فقال: