صفحات القرآن بتفسير السعدي

" والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون "

ثم ذكر تفاوت الأراضي, التي ينزل عليها المطر فقال: " وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ " أي: طيب التربة والمادة, إذا نزل عليه مطر " يَخْرُجُ نَبَاتُهُ " الذي هو مستعد له " بِإِذْنِ رَبِّهِ " أي: بإرادة اللّه ومشيئته, فليست الأسباب مستقلة بوجود الأشياء, حتى يأذن اللّه بذلك.
" وَالَّذِي خَبُثَ " من الأراضي " لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا " أي: إلا نباتا خاسا لا نفع فيه ولا بركة.
" كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ " أي: ننوعها ونبينها ونضرب فيها الأمثال ونسوقها لقوم يشكرون اللّه بالاعتراف بنعمه, والإقرار بها, وصرفها في مرضاة اللّه.
فهم الذين ينتفعون بما فصل اللّه في كتابه, من الأحكام, والمطالب الإلهية لأنهم يرونها من أكبر النعم الواصلة إليهم من ربهم.
فيتلقونها مفتقرين إليها فرحين بها, فيتدبرونها, ويتأملونها, فيبين لهم من معانيها, بحسب استعدادهم.
وهذا مثال للقلوب, حين ينزل عليها الوحي الذي هو مادة الحياة, كما أن الغيث, مادة الحيا.
فإن القلوب الطيبة, حين يجيئها الوحي, تقبله وتعلمه, وتنبت بحسب, طيب أصلها, وحسن عنصرها.
وأما القلوب الخبيثة, التي لا خير فيها, فإذا جاءها الوحي, لم يجد محلا قابلا, بل يجدها غافلة معرضة, أو معارضة, فيكون كالمطر الذي يمر على السباخ والرمال والصخور, فلا: يؤثر فيها شيئا, وهذا كقوله تعالى " أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا " الآيات.

" لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم "

لما ذكر تعالى, من أدلة توحيده, جملة صالحة, أيد ذلك بذكر ما جرى للأنبياء الداعين إلى توحيده, مع أممهم المنكرين لذلك.
وكيف أيد اللّه أهل التوحيد, وأهلك من عاندهم ولم ينقد لهم.
وكيف اتفقت دعوة المرسلين على دين واحد, ومعتقد واحد.
فقال عن نوح - أول المرسلين -: " لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ " يدعوهم إلى عبادة اللّه وحده, حين كانوا يعبدون الأوثان.
" فَقَالَ " لهم: " يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ " أي: وحده " مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ " لأنه الخالق الرازق المدبر لجميع الأمور, وما سواه مخلوق مدبر, ليس له من الأمر شيء.
ثم خوفهم إن لم يطيعوه عذاب اللّه فقال: " إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ " .
وهذا من نصحه عليه الصلاة والسلام, وشفقته عليهم, حيث خاف عليهم العذاب الأبدي, والشقاء السرمدي, كإخوانه من المرسلين الذين يشفقون على الخلق أعظم من شفقة آبائهم وأمهاتهم.
فلما قال لهم هذه المقالة, ردوا عليه أقبح رد.

" قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين "

" قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ " أي: الرؤساء الأغنياء المتبوعون الذين قد جرت العادة باستكبارهم على الحق, وعدم انقيادهم للرسل.
" إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ " فلم يكفهم - قبحهم اللّه - أنهم لم ينقادوا له, بل استكبروا عن الأنقياد له, وقدحوا فيه أعظم قدح, ونسبوه إلى الضلال.
ولم يكتفوا بمجرد الضلال حتى جعلوه, ضلالا مبينا, واضحا لكل أحد.
وهذا من أعظم أنواع المكابرة, التي لا تروج على أضعف الناس عقلا.
وإنما هذا الوصف, منطبق على قوم نوح, الذين جاءوا إلى أصنام, قد صوروها ونحتوها بأيديهم, من الجمادات التي لا تسمع ولا تبصر, ولا تغني عنهم شيئا.
فنزلوها منزلة فاطر السماوات, وصرفوا لها ما أمكنهم, من أنواع القربات.
فلولا أن لهم أذهانا تقوم بها حجة اللّه عليهم لحكم عليهم بأن المجانين أهدى منهم, بل هم أهدى منهم وأعقل.
فرد نوح عليهم ردا لطيفا, وترقق لهم, لعلهم ينقادون له فقال:

" قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين "

" يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ " أي: لست ضالا في مسألة من المسائل, بوجه من الوجوه, وإنما أنا هاد مهتد.
بل هدايته عليه الصلاة والسلام من جنس هداية إخوانه, أولي العزم من المرسلين, أعلى أنواع الهدايات وأكملها, وأتمها وهي هداية الرسالة التامة الكاملة, ولهذا قال: " وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ " أي: ربي وربكم ورب جميع الخلق, بأنواع التربية, الذي من أعظم تربيته, أن أرسل إلى عباده رسلا, تأمرهم بالأعمال الصالحة, والأخلاق الفاضلة, والعقائد الحسنة وتنهاهم عن أضدادها ولهذا قال: