صفحات القرآن بتفسير السعدي

" ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون "

" وَلِكُلٍّ " منهم " دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا " بحسب أعمالهم, لا يجعل قليل الشر منهم, ككثيره, ولا التابع كالمتبوع, ولا المرءوس كالرئيس.
كما أن أهل الثواب والجنة, وإن اشتركوا في الربح والفلاح ودخول.
الجنة, فإن بينهم من الفرق, ما لا يعلمه إلا الله, مع أنهم كلهم, رضوا بما آتاهم مولاهم, وقنعوا بما حباهم.
فنسأله تعالى, أن يجعلنا من أهل الفردوس الأعلى, التي أعدها الله للمقربين من عباده, والمصطفين من خلقه, وأهل الصفوة, أهل وداده.
" وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ " فيجازي كلا بحسب علمه, وبما يعلمه من مقصده.
وإنما أمر الله العباد بالأعمال الصالحة, ونهاهم عن الأعمال السيئة, رحمة بهم, وقصدا لمصالحهم.

" وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين "

وإلا, فهو الغني بذاته, عن جميع مخلوقاته, فلا تنفعه طاعة الطائعين, كما لا تضره معصية العاصين.
" إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ " بالإهلاك " وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ " .
فإذا عرفتم بأنكم, لا بد أن تنتقلوا من هذه الدار, كما انتقل غيركم, وترحلون منها, وتخلونها لمن بعدكم, كما رحل عنها من قبلكم, وخلوها لكم.
فلم اتخذتموها قرارا؟ وتوطنتم بها, ونسيتم أنها دار ممر لا دار مقر.
وأن أمامكم دارا, هي الدار التي جمعت كل نعيم وسلمت من كل آفة ونقص؟ وهي الدار التي يسعى إليها الأولون والآخرون, ويرتحل نحوها, السابقون واللاحقون.
التي إذا وصلوها, فثم الخلود الدائم, والإقامة اللازمة, والغاية التي لا غاية وراءها, والمطلوب الذي ينتهي إليه كل مطلوب, والمرغوب الذي يضمحل دونه كل مرغوب.
هنالك, والله, ما تشتهيه الأنفس, وتلذ الأعين, ويتنافس فيه المتنافسون, من لذة الأرواح, وكثرة الأفراح, ونعيم الأبدان والقلوب, والقرب من علام الغيوب.
فلله همة, تعلقت بتلك الكرامات, وإرادة سمت إلى أعلى الدرجات!! وما أبخس حظ من رضي بالدون, وأدنى همة من اختار صفقة المغبون!! ولا يستبعد المعرض الغافل, سرعة الوصول إلى هذه الدار.

" إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين "

" إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ " لله, فارين من عقابه, فإن نواصيكم تحت قبضته, وأنتم تحت تدبيره وتصرفه.

" قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون "

" قُلْ " يا أيها الرسول لقومك: إذا دعوتهم إلى الله, وبينت لهم ما لهم وما عليهم من حقوقه, فامتنعوا من الانقياد لأمره, واتبعوا أهواءهم, واستمروا على شركهم: " يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ " أي: على حالتكم التي أنتم عليها, ورضيتموها لأنفسكم.
" إِنِّي عَامِلٌ " على أمر الله, ومتبع لمراضى الله.
" فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ " أنا أو أنتم.
وهذا من الإنصاف, بموضع عظيم حيث بين الأعمال وعامليها, وجعل الجزاء مقرونا بنظر البصير, ضاربا فيه صفحا, عن التصريح الذي, يغني عنه التلويح.
وقد علم أن العاقبة الحسنة, في الدنيا والآخرة, للمتقين.
وأن المؤمنين لهم عقبى الدار, وأن كل معرض عن ما جاءت به الرسل, عاقبته سوء وشر, ولهذا قال: " إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ " فكل ظالم, وإن تمتع في الدنيا بما تمتع به, فنهايته فيه, الاضمحلال والتلف " إن الله ليملي للظالم, حتى إذا أخذه لم يفلته " .

" وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون "

يخبر تعالى, عما عليه المشركون المكذبون للنبي صلى الله عليه وسلم, من سفاهة العقل, وخفة الأحلام, والجهل البليغ.
وعدد تبارك وتعالى شيئا من خرافاتهم, لينبه بذلك, على ضلالهم, والحذر منهم, وأن معارضة أمثال هؤلاء السفهاء للحق, الذي جاء به الرسول, لا تقدح فيه أصلا فإنهم لا أهلية, لهم في مقابلة الحق.
فذكر من ذلك أنهم جعلوا " لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا " ولشركائهم من ذلك نصيبا.
والحال أن الله تعالى, الذي ذرأه للعباد, وأوجده رزقا, فجمعوا بين محذورين محظورين بل ثلاثة محاذير.
منتهم على الله, في جعلهم له نصيبا, مع اعتقادهم أن ذلك منهم, تبرع.
وإشراك الشركاء, الذين لم يرزقوهم, ولم يوجدوا لهم شيئا في ذلك.
وحكمهم الجائر, في أن ما كان لله, لم يبالوا به, ولم يهتموا, ولو كان واصلا إلى الشركاء.
وما كان لشركائهم اعتنوا به, واحتفظوا به, لم يصل إلى الله, منه شيء.
وذلك أنهم إذا حصل لهم - من زروعهم وثمارهم وأنعامهم, التي أوجدها الله لهم - شيء جعلوه قسمين: قسما قالوا: هذا لله بقولهم وزعمهم, وإلا فالله لا يقبل إلا ما كان خالصا لوجهه, ولا يقبل عمل من أشرك به.
وقسما, جعلوه حصة شركائهم من الأوثان والأنداد.
قإن وصل شيء مما جعلوه لله, واختلط بما جعلوه لغيره, لم يبالوا بذلك.
وقالوا: الله غني عنه, فلا يردونه.
وإن وصل شيء مما جعلوه لآلهتهم إلى ما جعلوه لله, ردوه إلى محله.
وقالوا: إنها فقيرة, لا بد من رد نصيبها.
فهل أسوأ من هذا الحكم.
وأظلم؟!! حيث جعلوا ما للمخلوق, يجتهد فيه وينصح, ويحفظ, أكثر مما يفعل بحق الله.
ويحتمل أن تأويل الآية الكريمة, ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عن الله تعالى أنه قال: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك, من أشرك معي شيئا تركته وشركه " .
وأن معنى الآية أن ما جعلوه, وتقربوا به لأوثانهم, فهو تقرب خالص لغير الله, ليس لله منه شيء.
وما جعلوه لله - على زعمهم - فإنه لا يصل إليه لكونه شركا, بل يكون حظ الشركاء والأنداد, لأن الله غني عنه, لا يقبل العمل الذي أشرك به معه أحد من الخلق.

" وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون "

ومن سفه المشركين وضلالهم, أنه زين لكثير من المشركين شركاؤهم - أي: رؤساؤهم وشياطينهم - قتل أولادهم, وهو: الوأد, الذين يدفنون أولادهم وهم وأحياء خشية الافتقار, والإناث خشية العار.
وكل هذا من خدع الشياطين الذين يريدون أن يردوهم بالهلاك, ويلبسوا عليهم دينهم, فيفعلون الأفعال التي في غاية القبح.
ولا يزال شركاؤهم يزينونها لهم, حتى تكون عندهم من الأمور الحسنة والخصال المستحسنة.
ولو شاء الله أن يمنعهم, ويحول بينهم وبين هذه الأفعال, ويمنع أولادهم عن قتال الأبوين لهم, ما فعلوه.
ولكن اقتضت حكمته, للتخلية بينهم وبين أفعالهم, استدراجا منه لهم, وإمهالا لهم, وعدم مبالاة بما هم عليه, ولهذا قال: " فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ " أي: دعهم مع كذبهم وافترائهم, ولا تحزن عليهم, فإنهم لن يضروا الله شيئا.