صفحات القرآن بتفسير السعدي

" بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون "

" بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ " .
فإنهم كانوا يخفون في أنفسهم, أنهم كانوا كاذبين ويبدو في قلوبهم, في كثير من الأوقات.
ولكن الأغراض الفاسدة, صدتهم عن ذلك, وصدفت قلوبهم عن الخير, وهم كذبة في هذه الأمنية وإنما قصدهم, أن يدفعوا بها عن أنفسهم العذاب.
" وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ " .

" وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين "

" وَقَالُوا " منكرين للبعث " إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا " أي: ما حقيقة الحال والأمر وما المقصود من إيجادنا, إلا الحياة الدنيا وحدها.
" وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ " .

" ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون "

أي: " وَلَوْ تَرَى " الكافرين " إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ " لرأيت أمرا عظيما, وهولا جسيما.
" قَالَ " لهم موبخا ومقرعا " أَلَيْسَ هَذَا " الذي ترون من العذاب " بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا " فأقروا, واعترفوا, حيث لا ينفعهم ذلك.
" قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ " .

" قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون "

أي: قد خاب وخسر, وحرم الخير كله, من كذب بلقاء الله, فأوجب له هذا التكذيب, الاجتراء على المحرمات, واقتراف الموبقات.
" حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ " وهم على أقبح حال وأسوأه, فأظهروا غاية الندم.
" قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا " ولكن هذا تحسر ذهب وقته.
" وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ " .
فإن وزرهم وزر, يثقلهم, ولا يقدرون على التخلص منه, ولهذا خلدوا في النار, واستحقوا التأبيد في غضب الجبار.

" وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون "

أما حقيقة الدنيا: فإنها لعب ولهو لعب في الأبدان ولهو في القلوب فالقلوب لها والهة والنفوس لها عاشقة والهموم فيها متعلقة والاشتغال بها كلعب الصبيان.
وأما الآخرة, فإنها " خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ " في ذاتها وصفاتها, وبقائها ودوامها.
وفيها ما تشتهيه الأنفس, وتلذ الأعين, من نعيم القلوب والأرواح, وكثرة السرور والأفراح.
ولكنها ليست لكل أحد, وإنما هي للمتقين, الذين يفعلون أوامر الله, ويتركون نواهيه وزواجره.
" أَفَلَا تَعْقِلُونَ " أي: أفلا يكون لكم عقول, بها تدركون, أي الدارين أحق بالإيثار.

" قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون "

أي: قد نعلم أن الذي يقول المكذبون فيك, يحزنك ويسوءك.
ولم نأمرك بما أمرناك به من الصبر, إلا لتحصل لك المنازل العالية والأحوال الغالية.
فلا تظن أن قولهم, صادر عن اشتباه في أمرك, وشك فيك.
" فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ " لأنهم يعرفون صدقك, ومدخلك ومخرجك, وجميع أحوالك, حتى إنهم كانوا يسمونه - قبل بعثته - الأمين.
" وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ " أي: فإن تكذيبهم لآيات الله, التي جعلها الله على يديك.

" ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين "

" وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا " .
فاصبر كما صبروا, تظفر كما ظفروا.
" وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ " ما به يثبت فؤادك, ويطمئن به قلبك.

" وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين "

" وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ " أي: شق عليك, من حرصك عليهم, ومحبتك لإيمانهم, فابذل وسعك في ذلك, فليس في مقدورك, أن تهدي من لم يرد الله هدايته.
" فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ " .
أي: فافعل ذلك, فإنه لا يفيدهم شيئا.
وهذا قطع لطمعه في هداية أشباه هؤلاء المعاندين.
" وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى " ولكن حكمته تعالى, اقتضت أنهم يبقون على الضلال.
" فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ " الذين لا يعرفون حقائق الأمور, ولا ينزلونها على منازلها.