صفحات القرآن بتفسير السعدي

" قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون "

" قُلْ " لهم - لما بينا لهم الهدى, وأوضحنا لهم المسالك-: " أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً " على هذا الأصل العظيم.
" قُلِ اللَّهُ " أكبر شهادة, فهو " شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ " فلا أعظم منه شهادة, ولا أكبر, وهو يشهد لي بإقراره وفعله, فيقرني على ما قلت لكم.
كما قال تعالى " وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ " .
فالله حكيم قدير, فلا يليق بحكمته وقدرته, أن يقر كاذبا عليه, زاعما أن الله أرسله ولم يرسله, وأن الله أمره بدعوة الخلق, ولم يأمره, وأن الله أباح له دماء من خالفه, وأموالهم ونساءهم, وهو مع ذلك يصدقه بإقراره وبفعله فيؤيده على ما قال بالمعجزات الباهرة, والآيات الظاهرة, وينصره, ويخذل من خالفه وعاداه, فأي شهادة أكبر من هذه الشهادة؟!! وقوله " وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ " أي وأوحى الله إلي هذا القرآن, لمنفعتكم ومصلحتكم, لأنذركم به من العقاب الأليم.
والنذارة, إنما تكون بذكر ما ينذرهم به, من الترغيب, والترهيب, وببيان الأعمال, والأقوال الظاهرة والباطنة, التي من قام بها, فقد قبل النذارة.
فهذا القرآن, فيه النذارة لكم, أيها المخاطبون, وكل من بلغه القرآن إلى يوم القيامة, فإن فيه بيان كل ما يحتاج إليه من المطالب الإلهية.
لما بين تعالى شهادته, التي هي أكبر الشهادات على توحيده, قال: قل لهؤلاء المعارضين لخبر الله, والمكذبين لرسله " أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ " .
أي: إن شهدوا, فلا, تشهد معهم.
فوازن بين شهادة أصدق القائلين, ورب العالمين وشهادة أزكى الخلق المؤيدة بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة, على توحيد الله, وحده لا شريك له, وشهادة أهل الشرك, الذين مرجت عقولهم وأديانهم, وفسدت آراؤهم وأخلاقهم, وأضحكوا على أنفسهم العقلاء.
بل خالفت شهادتهم فطرهم, وتناقضت أقوالهم على إثبات أن مع الله آلهة أخرى.
مع أنه لا يقوم على ما خالفوه أدنى شبهة, فضلا عن الحجج.
واختر لنفسك أي الشهادتين, إن كنت تعقل.
ونحن نختار لأنفسنا, ما اختاره الله لنبيه, الذي أمرنا الله بالاقتداء به فقال: " قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ " أي: منفرد, لا يستحق العبودية والإلهية سواه, كما أنه المنفرد بالخلق والتدبير.
" وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ " به, من الأوثان, والأنداد, وكل ما أشرك به الله.
فهذا حقيقة التوحيد إثبات الإلهية لله ونفيها عما عداه.

" الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون "

لما بين شهادته وشهادة رسوله على التوحيد وشهادة المشركين الذين لا علم لديهم على ضده, ذكر أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى.
" يَعْرِفُونَهُ " أي: يعرفون صحة التوحيد " كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ " .
أي: لا شك عندهم فيه, بوجه, كما أنهم لا يشتبهون بأولادهم, خصوصا البنين الملازمين في الغالب لآبائهم.
ويحتمل أن الضمير, عائد إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم, وأن أهل الكتاب لا يشتبهون بصحة رسالته, ولا يمترون بها, لما عندهم من البشارات به, ونعوته التي تنطبق عليه, ولا تصلح لغيرة.
والمعنيان متلازمان.
قوله " الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ " أي: فوتوها ما خلقت له, من الإيمان والتوحيد, وحرموها الفضل من الملك المجيد " فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ " .
فإذا لم يوجد الإيمان منهم, فلا تسأل عن الخسار والشر, الذي يحصل لهم.

" ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون "

أي: لا أعظم ظلما وعنادا, ممن كان فيه أحد الوصفين, فكيف لو اجتمعا, افتراء الكذب على الله, أو التكذيب بآياته, التي جاءت بها المرسلون, فإن هذا, أظلم الناس, والظالم لا يفلح أبدا.
ويدخل في هذا, كل من كذب على الله, بادعاء الشريك له والمعين وزعم أنه ينبغي أن يعبد غيره أو اتخذ له صاحبة أو ولدا, وكل من رد الحق الذي جاءت به الرسل أو من قام مقامهم.

" ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون "

يخبر تعالى عن مآل أهل الشرك يوم القيامة وأنهم يسألون ويوبخون فيقال لهم " أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ " أي إن الله ليس له شريك, وإنما ذلك على وجه الزعم منهم والافتراء

" ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين "

" ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ " أي لم يكن جوابهم حين يفتنون ويختبرون بذلك السؤال إلا إنكارهم لشركهم وحلفهم أنهم ما كانوا مشركين

" انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون "

" أَنْظُرْ " متعجبا منهم ومن أحوالهم.
" كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ " أي كذبوا كذبا عاد بالخسار على أنفسهم وضرهم- والله- غاية الضرر " وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ " من الشركاء الذين زعموهم مع الله, تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

" ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين "

أي: ومن هؤلاء المشركين, قوم يحملهم بعض الأوقات, بعض الدواعي إلى الاستماع.
ولكنه استماع خال من قصد الحق واتباعه, ولهذا لا ينتفعون بذلك الاستماع, لعدم إرادتهم للخير.
" وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً " أي: أغطية وأغشية, لئلا, يفقهوا كلام الله, فصان كلامه عن أمثال هؤلاء.
" وَفِي آذَانِهِمْ " جعلنا " وَقْرًا " أي: صمما, فلا يستمعون ما ينفعهم.
" وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا " , وهذا غاية الظلم والعناد, أن الآيات البينات الدالة على الحق, لا ينقادون لها, ولا يصدقون بها, بل يجادلون بالباطل, ليدحضوا به الحق.
ولهذا قال: " حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ " أي: مأخوذ من صحف الأولين المسطورة, التي ليست عن الله, ولا عن رسله.
وهذا من كفرهم, وإلا فكيف يكون هذا الكتاب الحاوي لأنباء.
السابقين واللاحقين, والحقائق التي جاءت بها الأنبياء والمرسلون, والحق, والقسط, والعدل التام, من كل وجه, أساطير الأولين.

" وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون "

وهم: أي المشركون بالله, المكذبون لرسوله, يجمعون بين الضلال والإضلال.
ينهون الناس عن اتباع الحق, ويحذرونهم منه, ويبعدون بأنفسهم عنه.
ولن يضروا الله ولا عباده المؤمنين, بفعلهم هذا, شيئا.
" وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ " بذلك.

" ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين "

يقول تعالى - مخبرا عن حال المشركين يوم القيامة - وإحضارهم النار.
" وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ " ليوبخوا ويقرعوا, لرأيت أمرا هائلا, وحالا مفظعة.
ولرأيتهم كيف أقروا على أنفسهم بالكفر والفسوق, وتمنوا أن لو يردون إلى الدنيا.
" فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ "