بسم الله الرحمٰن الرحيم،
والصلاة والسلام على سيّد المرسَلين،
وعلى آله وصحبه، ومَن والاه، إلى يوم الدين.

الحمدُ لله، الذي أنزلَ القرآن على خاتَم الأنبياء،
ليكونَ رحمةً للِعالَمين.
ومِن مظاهر رحمته، أنه عَلَّم الإنسانَ القرآنَ والبيان،
عَلَّمه بالقَلم، عَلّمَه ما لمَ يَعلم..
* * *
إنها حكمةُ الله، تتَجلَّى صُوَرُها في أوجُهِ حياتِنا،
في كل زمانٍ ومكان... لِتُؤكِّدَ على الثابت.. فَتؤصِّلَه،
وتتعامَل مع المُتَغير.. فتُكَيّفَه رافِداً يُغني ويُثري،
ولا يُناقض فَيُلغي.
* * *
إنها سُنَّةُ ديَمومَةِ الحياة لِقَومٍ يَفقهون...
وهكذا قامت الفكرة الإبداعية في مصحف التجويد
على محوَرَي التوثيق التاريخي، والإبداع العلمي:

لقد كُتِبَ كلامُ اللهِ تعالى، بأمر رسولهِ صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت العينُ تقرأ - مِنَ المكتوب - فقط رَسمَ الكلمة القرآنية، بينما بقيَ تشكيلُ الحروف وتنقيطُها وتجويدُها يُؤتى بالمشافهة والسماع والتلقي.
مثال: الآية القرآنية الكريمة:

كانت مكتوبة على الشكل التالي:

- في المرحلة الثانية لتدوينِ كلامِ الله تعالى- والتي تَمَّت في عهد الإمام علي كرَّمَ الله وجهه-قام بها أبو الأسود الدُؤَلي والخليل بن أحمد الفراهيدي، تم فيها وضعُ علامات التشكيل (أي الفتحة والضمة والكسرة والسكون) لضبط الحركات على كلام الله المُدَوَّن.

مثلاً: وُضِعَت فتحة فوق لفظ الجلالة في المثال السابق كي نَقرأ: (اللهَ) بالفتح، وهكذا أصبحت العينُ تقرأ كلامَ الله برسمه وتشكيله، في حين بقي التنقيط والتجويد يؤتى بهما بالمشافهة والسماع.

إنَّ هذه المرحلة في التدوين، استَوعَبت المرحلة السابقة وحَلَّت محلها، ولم يُلْغَ دورُ التلقي، وإنما تَعزَّز لمعرفة كيفية لفظ هذا التشكيل المُدَوَّن.

- في المرحلة الثالثة لتدوين كلام الله تعالى- والتي تَمَّت في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان- قام بها النصرُ بنُ عاصم الليثي، تَمَّ فيها وَضعُ النُقَط على الحروف المتشابهه، لتمييزها عن بعضها.

مثلاً تَمَّ تمييز حرف (الذال-ذ) بوضع نقطة فوق حرف (الدال-د)، وتمييز حرف (الجيم-ج) بوضع النقطة أسفل حرف (الحاء-ح)... إلخ
أي أنَّ العينَ أصبحت تقرأ كلام الله المُدَوَّن برسمه وتشكيله وتنقيطه، بينما بقي التجويد (الذي يعني تحسينَ الأداء لبعض الحروف) يُؤتى بالمشافهة والسماع.

إنَّ هذه المرحلة في التدوين، استوعَبَت المرحلة السابقة، وحَلَّت محلها، ولم يُلْغَ دورُ التلقي، وإنما تعزَّز لمعرفة كيفية لفَظ الحروف التي كانت متشابهة في رسمها.

في المرحلة الجديدة لتدوين كلام الله تعالى، والتي تمَّت حديثاً، تَمَّ فيها ترميزٌ زمني ولوني لبعضِ الأحرف الخاضعة لأحكام التجويد، وبالتالي أصبحَ كلامُ اللهِ تعالى المُدَوَّن يحوي العناصرَ جميعَها:مِنْ رَسمٍ وتشكيلٍ وتنقيطٍ وتجويد.

إنَّ هذه المرحلة في تدوين كلام الله تعالى قد استوعَبت المراحلَ السابقة جميعَها، وحَلَّت محلَّها، ولم تُلغِ ، ولَنْ تُلغي دورَ التلقي، وإنما سَتُعزِّز دور التلقي لمعرفة كيفية الإتيان بصوت الأحرف المُجَوَّدة، وتم ذلك بُغية تسهيل تلاوة القرآن الكريم مرتلاً، امتثالاً لقوله تعالى (ورتل القرآن ترتيلاً).

يتبادرُ للذهنِ لأولِ وَهلة، أنَّ 28 لوناً قد استُعمِلت لتمييز 28 حُكماً تجويدياً، لكنَّ هذا لو أنه حصل، لَحَلَّ التشويشُ محلَّ الفائدة.
إذاً، ولكي نستشعرَ أهمية الترميز الزمني واللوني القائم على استعمال 3 فئاتٍ لونية فقط، عوضاً عن 28 لوناً...
علينا أنْ نُجري المقابلة التالية، بين الإبداع الذي تم في تطبيق الأحكام الإعرابية، والإبداع الحديث في تطبيق الأحكام التجويدية:

إن التشكيلِ الإعرابي للحروف باستعمال أربع حركات فقط: (الفتحة والضمة والكسرة والسكون)، تَتجلَّى أهميته في تعبيره عن عشرات الحالات الإعرابية المختلفة، فالفتحةُ مثلاً، هي ذاتُها لكلٍ مِن الفعل الماضي: (قالَ)، والفعل المضارع المنصوب: (حتى يأتيَ)، والمفعول به: (لا أعَلَمُ الغيبَ)، وكذلك المفعول لأجله، والمفعول المطلق، والتمييز، والحال...إلخ.

إنَّ تلك الأحكامَ الإعرابية المختلفة، قد استُعمِل لها ذات الشكل التدويني لتلك الفتحة، طالما أنها اشتركت بذات صوت الفتحة، وبحيث يتم تحديد ماهية الحكم الإعرابي لِكَلمةٍ ما حسبَ موقعها في الجملة، وهذا الأمرُ يَهتَمُّ به مَن يرغب بمعرفةِ سبب الحكم الإعرابي، أمّا مَن يقرأ، فعليه أنْ يعرف أنَّ هذه فتحةً تنصِبُ الكلمة، وعليه بعد أنْ يَسمعَها أنْ يُقلِّد صوتَها، وهو غيرُ مُطَالَبٍ بمعرفةِ سبب هذه الفتحة إعرابياً، لكنه مطالَبٌ بلفظ الكلمة بشكلها الصحيح، وبفهم معناها.

ولنأخذ مثلاً على ذلك، الجملة القرآنية:
إنَّ كثيراً من الناس يُخطئ بمعرفةِ سبب الكسرة على كلمة (الصالحاتِ)، فيظنُ أنَّ حُكمَها الإعرابي (مضاف إليه) وليس مفعولاً به جمع مؤنث سالم يُنصَب بالكسرة عوضاً عن الفتحة.

إنَّ المهمَ حقاً أنْ يَعرف القارئ أنه مُطالَبٌ بأنْ يَلفِظَ كلمة (الصالحاتِ) بالكسر وليس بالفتح أو الضم، كما عليه أنْ يُرَكّزَ ذِهنَه على فَهم وتدبُّر معنى تلك الجملة القرآنية، وليس على سبب حكمها الإعرابي، الذي هو للمختصين بالنحو والإعراب.

من هنا، فإن النقلة النوعية التي تَمَّتْ في مصحف التجويد، تتَجلَّى في أنه يَجعلُ قارئَ القرآن الكريم، مُجَوِّداً لكلام الله تعالى، بشكلٍ مباشَر مِن عينيه (بعد الاستماع جيداً لكيفية أداء الحروف من مخارجها الصحيحة مِن شيخه أو أستاذه المُعَلِّم)، تماماً كحالة تمييز حرف (الثاء-ث) عن حرف (التاء-ت)، فوجود ثلاث نقط على الحرف يعني أنَّ على القارئ أنْ يَلفظ حرف الثاء اللَثوي مِنْ مخرجه الصحيح بالتلقّي مِن شيخه أو أستاذه، وكذلك الأمر بالنسبة لتمييز حركة الفتحة عن حركة الكسرة.
وعلى هذا فإنّه ليس على قارئ مصحف التجويد سوى التَعرُّف عملياً على ثلاث فئات لونية فقط هي:
1- فئة اللون الأحمر بتَدرُّجاته، للحروف الخاضعة لأحكام المد.
2- فئة اللون الأخضر لحكم الإخفاء ولمواقع الغنة.
3- فئة اللون الأزرق الغامق للراء المفخمة، والفاتح للقلقلة.

أما اللون الرمادي فهو لا يُرى نسبة للحروف السوداء، وبالتالي لا يُلفَظ.
أما مَن يرغب بحفظ مُبَرِّرات الأحكام التجويدية وأسمائها، فهي مشروحة في أخر المصحف من خلال جدولٍ بسيط ومباشَر، يتضمن 28 حكماً تجويدياً أساسياً.

في النتيجة:
إنَّ قراءَةَ عدةِ صَفحاتٍ من مصحف التجويد، تَجعلُ عمليةَ تحسين الأداء (أي التجويد) تلقائية، وتُسَهِّل على المُعَلِّم والمُتَعلِّم تحقيق الفائدة المطلوبة، فالحرف الأحمر يُمَدّ، والحرف الأخضر يُغَنّ، والحرف الأزرق لصفة المَخرَج بالتفخيم أو القلقلة.

إنَّ هذه التلقائيةَ شبيهةٌ بتلقائية التعامل مع إشارة المرور، فالأحمر للوقوف، والأخضر للمرور...
وهذا يتم دون إشغال الفكر، الذي يتحَرَّر للتفَكّر والتدبّر فقط.

وكان فضل الله عظيماً، أن تَمَّت حِمَايةُ هذا العمل الجليل من عبث العابثين، بالوسائل التالية:
- شرعياً: مِنْ خلالِ موافقة الجهات المعنية في العالمين العربي والإسلامي، واعتماده مصحفاً وحيداً في استعمال الحروف المُلَوَّنة لأحكام التجويد بموجب تقرير لجنة مراجعة المصاحف في الأزهر الشريف بتاريخ 7/11/1999م.
- وقانونياً: مِنْ خلال حصوله على براءة اختراع رسمية في عام 1994.
- وعملياً: من خلال انتشار ملايين النسخ في العالم، وطلبه المتزايد.

أشكالٍ وقياسات مختلفة:
زادت عن 80 نوعاً، وبرواياتٍ قرآنيةٍ عِدة، حُوفِظ فيها على ذات مواقعِ الكلمات، وذات الخط النَسخي المستخدم؛ وهذه الروايات هي:

كما أُنجز مصحف التجويد بست لغات أجنبية:
بترجمةٍ للمعاني على هامش النص القرآني في الصفحات اليمنى، وبترجمةٍ لَفظية بالحروف الأجنبية للنطق العربي على الصفحات اليسرى، بطريقةٍ إبداعيةٍ جديدة، قائمة على مبدأ منطقي -وليس اصطلاحي- تُمَكِّن مَنْ يُعلِنَ إسلامه أنْ يَقرأ قرآناً عربياً بشكل مباشر وفوري.
وهذه اللغات هي:

كما أُنجِزَت المصاحف المُمَيَّزة التالية:
- مصحف التجويد والتهجُّد:
حيث حَوَت كلُّ صفحة منه على ربع حزب كامل.

- مصحف التجويد والتحفيظ:
مُيِّزَت فيه أرضية الأفعال، ليقومَ البَصَرُ بمساعدة الذهن في تَذكُّر تلك الأفعال، وتم كذلك تغيير لون أرضية الأفعال بالتناوب بين اللون الأخضر الفاتح واللون الأصفر، لِيُذَكِّر القارئ بِتَغيُّر الموضوع القرآني، بغية مساعدته في حفظ تلك الصفحة.

- المصحف المُمَيِّز لمثاني الآياتٍ:
في كل صفحة قرآنية، تَمّ تمييز آيتين، بينهما تناسبٌ في النَظم، وتَربِطهُما علاقةٌ في المعنى -بشكل إعجازي- مما يستدعي التأمُّل والتفكُّر.

- مصحف التجويد الواضح:
تَمّ فيه تمييز مكان الوقف الاختياري، من خلال فراغٍ يراه القارئ، فيقفُ عنده اختيارياً، مما يجعلُه مُطمَئناً على سلامة المكان المناسب للوقف، كي يتفرغَ ذِهنُه لمعنى ما يَقرأ، ويُجَنِبَه كلَ وَقفٍ لا يَليقُ بجلال القرآن وعَظمته، إضافة لجعل الكلمات -برسمها العثماني- واضحةً عن بعضها، مع الحفاظ على مواقعها الأصلية في ذات السطر القرآني.

- مصحف ثُمن حزب في كل صفحة:
للحفظ بطريقةٍ تُعَوّض اللوح الخشبي.

- مصحف مُجزّأ بالعَرض عوضاً عن الطول:
لِيُتيحَ القراءةَ من المصحف ذي القياس الصغير بحروف المصحف ذي القياس الأكبر منه.

- مصحف التجويد بالخط الهندي:
مع فهرسة مُلَوَّنه على الهامش لأسماء السور، وذي جمالية خاصة به.

- جهاز المصحف المنير العادي:
لتلاوة القرآن الكريم عن بُعد، وذلك بتحريك صفحاته الكبيرة المُنارة، باليد أو عن طريق الروموت كونترول، فائِدَتُه: أنه يَزيدُ مِنْ وعي المصلّي لتلاوته القرآنية، دون أي حركةٍ في الصلاة.

- جهاز المصحف المنير الديجيتال:
له ذات مزيّة المنير العادي، مع إمكانية تكبير النص القرآني، وبعدة روايات قرآنية، وبأصوات أشهر المقرئين، وفيه تراجم المعاني، وكذلك ترجمة لفظية لعدة لغات عالمية،ويبحث عن الشواهد القرآنية لأي موضوع، مع مزية الأذان واتجاه القِبلة.
- جهاز مصحف التجويد الجيبي الديجيتال DPQ (دي پي كيو):
برسمه العثماني الحقيقي، وبحروفه المُلَوَّنة، برواية حفص / ورش، وبصوت شجي، مع برنامج تحفيظ، وتفسير، وترجمة المعاني وكذلك الترجمة اللفظية انكليزي/فرنسي، وله مضخم إضافي، مع مزية الأذان واتجاه القبلة.

- ختمة قرآنية كاملة بالتجويد المرئي:
مؤلف من 30 ساعة، ومثلها بترجمة المعاني والترجمة اللفظية للّغة الإنكليزية.

- برنامج (مِن القراءات السبع):
مؤلف من 300 حلقة تلفزيونية.

- برنامج (موسوعة مواضيع القرآن):
مؤلف من 251 حلقة، ومثلها باللغة الإنكليزية.

- برنامج (سُوَر القرآن – دُروس ومَحاوِر):
مؤلف من 200 حلقة، ومثلها باللغة الإنكليزية.

- برنامج (تعالوا نتعلم التلاوة): مؤلف من 604 حلقة.

- برنامج (ورتل القرآن ترتيلا):مؤلف من 604 حلقة.

- برنامج (مثاني مُعجزة): قيد الإنجاز.

- برنامج (هيا نقرأ ونرتقِ) للأطفال: قيد الإنجاز.

ختاماً:
ندعو الله تعالى أن يكون عمَلُنا خالصاً لوجهه، يُساهم في كشفِ إعجازاتٍ لكتاب الله تعالى، لاتَنضَب إلى يوم الدين.

                                                                                   الدكتور المهندس صبحي طه
                                                                                         مدير عام دار المعرفة

عودة للصفحة الرئيسية